واصف جوهرية
مقدمة 29
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
بعد انتهاء واصف من دراسته الرسمية استطاع متابعة تثقيفه الموسيقي برفقة أشهر عازفي العود والملحنين المقدسيين . وقد شمل هؤلاء : محمد السيباسي ، وحماده العفيفي ( الذي علّمه فنّ الموشحات في العرف التركي ) ، وعبد الحميد قطينة ، الذي كان ملقنه الأول . لكنه لم ينضج موسيقيا إلى أن التقى المعلم الكبير في عزف العود ، عمر البطش . ففي ربيع سنة 1915 ، بعد وفاة والده ، كان واصف يحضر حفلا برفقة حسين أفندي وعدد من الضباط الأتراك في بيت الحاج خليل النشاشيبي . وكانت مجموعة من فرقة الجيش العسكرية ، تعرف باسم مجموعة إزمير ، تؤدي موشحات أندلسية . وقد سحر واصف بعزف عازف عود شاب ، يرتدي بزة عسكرية ، تعرف إليه باسم عمر البطش . وطوال فترة الحرب ، أصبح عمر رفيقه الدائم . وألح واصف على حسين أفندي ، الذي كان الآن وليّ أمره الرسمي ، بأن يستأجر خدمات عمر ليعطيه أربعة دروس في العود أسبوعيا ، في مقر فرقة الجيش في المسكوبية . تعلم واصف من عمر قراءة العلامات الموسيقية ، كما وسّع ذخيرته الموسيقية كثيرا في الموسيقى العربية الكلاسيكية . وبدأ عمر ، من جانبه ، يأخذ واصف ليغني معه ويرافقه على العود في الأدوار التي يؤديها . لكنه ، فوق كل شيء ، علّمه كيف يكون ناقدا ومميّزا في تقويم ما يسمع . وعلّمه بصورة خاصة كيف يؤدي الموشحات الكلاسيكية . « 1 » ويشير واصف إليه ، على امتداد مذكراته ، بصفته " معلمي " و " أستاذي " . ويخبرنا واصف عن حادثة برفقة عمر ، عندما ألقي القبض على الأخير وهو يغني مع مجموعة مختلطة في بيت أبراهام الكرجي في باب السلسلة بالبلدة القديمة . ولأن عمر كان يعزف لجمهوره المتحمس وهو في بزة عسكرية ، وفي وضح النهار ، فقد اقتادته الشرطة " بتهمة السلوك الداعر والمخمور بينما هو في الخدمة [ العسكرية ] " . وعندما ذهب واصف في اليوم التالي ليحاول إطلاقه ، وجد أن الجنود المداومين في مهماتهم كانوا جلدوه وضربوه . وقد أرسل عمر رسالة مع واصف إلى قائد السجن ، الذي كان تلميذا سابقا له في حلب ، وأحد المستمعين المعجبين به ، يطلب مساعدته . وعن طريق الخطأ ، ناوله واصف صفحة موسيقى عليها الأغنية القصيرة " طيري طيري يا حمامة " . ولأن قائد السجن ظن أن عمر كان بذلك يهزأ به ، فقد أمر بضربه عشرين جلدة أخرى ، حتى بدأ يترف دما . أخيرا ، اعترف واصف بخطئه ، وأطلق عمر ، وقبّله القائد وطلب السماح من معلمه السابق . وليعوضه عن الجلد ، راح هو بنفسه يرافق واصف وعمر البطش في طلعاتهما الموسيقية ، ويحميهما بذلك من سطوة الشرطة ، ويشبع رغباته في الوقت نفسه . « 2 » كان واصف يرى نفسه موسيقيا وعازف عود فوق كل اعتبار آخر خلال الفترة العثمانية وما بعدها . وعندما بحث عن وظيفة في إدارات حكومية وبلدية متعددة ، كان ذلك للحصول على ما يقيم به أود الحياة فقط ، والانصراف إلى ما كان يستحوذ على مشاعره : العود ورفقة العمر الذين شاركوه في هذه الرؤيا . وكانت " وظيفته " بأجر الأولى كاتبا في بلدية القدس ، مسؤولا عن تسجيل التبرعات العينية للمجهود الحربي العثماني وتصنيفها . وقد أوجد حسين أفندي الحسيني هذه الوظيفة لواصف بعد موت والده ، في محاولة لتلطيف الأوضاع المادية لعائلة جوهرية . وفي نهاية الحرب وبداية الاحتلال العسكري البريطاني ، استأنف واصف عمله في البلدية بعد فترة قصيرة من الخدمة في البحرية العثمانية ( أنظر أدناه ) ، وكان الآن ترفّع إلى كاتب محكمة في وزارة العدل ، يعمل بإشراف القاضي علي بك جار اللّه في المسكوبية . وكان موظفو الحكومة لا يزالون يتلقون رواتبهم بالليرات التركية الورقية المتضخمة ( والتي لا قيمة لها عمليا ) ، لكن سرعان ما استبدلت بالجنيهات المصرية المصكوكة بالحجر ، والتي كانت أفضل للاستعمال . وكان كل من واصف وخليل يعطي أمه راتبه . « 3 » ومع وفاة حسين بك ( " والدي الثاني " ) ، استقال واصف من وظيفته في المحكمة المركزية وذهب ليساعد أرملة حسين ( أم سليم ) في إدارة أطيان آل الحسيني في قرية دير عمرو . صديق واصف جوهرية عازف الكمان سامي الشوا . من مجموعة عائلة المؤلف . المصور غير معروف .
--> ( 1 ) " كان أستاذي عمر يعتبر معلما كبيرا في أداء الموشح ، وهو نوع منقرض تقريبا اليوم في العالم العربي ، ربما باستثناء حلب . واعتاد أن يحدثني عن أستاذه ، علي درويش ، الذي كان خبيرا عالميا بهذا النمط الموسيقي . " أنظر : المخطوطة ، صفحة 221 - 223 . ( 2 ) المصدر نفسه ، صفحة 223 . ( 3 ) المصدر نفسه ، صفحة 298 .